المنجي بوسنينة

785

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

العقود ، 126 - 147 ] . ولمّا كانت سنة 707 ه / 1307 م أخرج من السّجن فاستأنف التّدريس والإفتاء وبيان مذهب السّلف ، حتّى صدر منه تشنيع على مذهب ابن عربي ( ت 638 ه / 1240 م ) ، فسعى خصومه لحبسه مرّة أخرى وأرسلوه إلى الاسكندريّة لتمكين أعدائه من سفك دمه ، لكنّه اكتسب أنصارا له يتبنّون أفكاره . ولمّا عاد السّلطان النّاصر إلى السّلطة أطلق سراحه سنة 709 ه / 1309 م وبالغ في إكرامه وعرض عليه الانتقام من أعدائه لكنّه أبى ، ممّا ترك عميق الأثر في خصمه « ابن مخلوف » [ ابن رجب ، الذّيل ، 2 / 330 ] . وفي سنة 712 ه / 1313 م عاد إلى دمشق ، حيث غيّر اتّجاه البحث ، فاشتغل بالجانب الفقهي خصوصا - وهو الّذي نركّز عليه - بعد أن أشبع القضايا الأصوليّة بحثا وتحقيقا [ E 12 , III , , 977 ] فكانت له اجتهاداته الخاصّة الّتي قد تخالف أقوال الأئمّة الأعلام . ومن فتاويه الّتي انفرد بها عنهم والّتي جدّدت محنته قوله بأنّ الطّلاق الثّلاث لا يعدّ إلّا طلقة واحدة ، وأنّ الحلف بالطّلاق تجب فيه الكفّارة لا غير . فحدثت له محنة سنة 720 ه / 1320 م بعد أن منع سنة 718 ه / 1318 م من الفتوى حول الطّلاق . ثمّ أعيد إلى السّجن سنة 726 ه / 1326 م بسبب مسألة منع شدّ الرّحال لزيارة قبور الأنبياء والصّالحين ، حيث وافته المنيّة سنة 728 ه / 1328 م . لقد تلقّى ابن تيّميّة دراسته الفقهيّة الأولى على أبيه الحنبلي ، وعلى كبار علماء دمشق الّذين شهدوا له بإتقانه علم الفقه وأصوله . وقد ذكر « ابن كثير » في « ترجمة أحمد بن نعمة المقدسي » أنّه : « أذن في الإفتاء لجماعة من الفضلاء منهم . . . ابن تيّميّة ، وكان يفخر بذلك ويفرح به ويقول : أنا أذنت لابن تيّميّة بالإفتاء » [ ابن كثير ، البداية ، 9 / 230 ؛ انظر فيه أقوال العلماء في الكواكب ، 66 ؛ ابن رجب ، الذّيل على الطّبقات ، 2 / 323 - 324 ؛ ابن عماد ، شذرات الذّهب ، 8 / 143 - 147 ] . وقد كان ابن تيّميّة يرجّح مذهب الإمام أحمد بن حنبل على غيره من المذاهب الفقهيّة باعتباره الأقرب إلى النصّ ، وقد أوضح ذلك بقوله : « أحمد كان أعلم من غيره بالكتاب والسنّة وأقوال الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان . . . ولا يوجد في مذهبه قول ضعيف إلّا وفي مذهبه قول يوافق القول الأقوى » [ ابن تيّميّة ، مجموع الفتاوى ، 20 / 229 ] . بيد أنّ ابن تيّميّة لم يجمد على المذهب الحنبلي لا يتخطّاه . بل كان يدرس غيره ليخرج إلى الدّراسات الفقهيّة المقارنة . فقد درس سائر المذاهب الإسلاميّة . كما أنّه كان ينظر إلى آراء العلماء والأئمّة الآخرين بعين التّقدير والرّضا ملتمسا لهم عن أخطائهم الأعذار ، ظهر ذلك في رسالته المشهورة « رفع الملام عن الأئمّة الأعلام » . ولكن مع هذا التّقدير الكلّي لأئمّة المذاهب ، فإنّه لم يمنعه ذلك من الرّجوع إلى المعين الصّافي شأنه في ذلك شأن الأئمّة المجتهدين ، فخالفهم في بعض ما ذهب إليه ، لأنّ القرآن والسنّة يحكمان بغير ما اختاره الفقهاء المجتهدون [ ابن العماد ، الشّذرات ، 8 / 144 ] . ولكن هل يمكن اعتبار ابن تيّميّة مجتهدا مطلقا ؟ . مال البعض إلى أنّ اجتهاده لم يكن مطلقا ، وإنّما كان مقيّدا ، وذلك راجع إلى قلّة ما